شريط أدوات الوصول إلى الويب
28-06-2026

كلمة رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان الجلسة الثانية من جلسات الاستماع التي يعقدها المجلس حول مشروع قانون الأحوال الشخصية.

 

السيدات والسادة...

يسعدني أن أرحب بكم في الجلسة الثانية من جلسات الاستماع التي يعقدها المجلس القومي لحقوق الإنسان حول مشروع قانون الأحوال الشخصية.

في الجلسة الأولى، أكدنا المبادئ التي ينبغي أن تحكم أي تطوير تشريعي في هذا المجال، وفي مقدمتها حماية الأسرة، وصون كرامة الإنسان، وتحقيق العدالة، ورعاية المصلحة الفضلى للطفل، والتوازن بين الحقوق والمسؤوليات. أما اليوم، فإننا ننتقل خطوة أخرى في هذا الحوار، من مناقشة المبادئ إلى التفكير في الكيفية التي يمكن بها ترجمتها إلى تشريع قادر على تحقيق أثر حقيقي ومستدام في حياة المواطنين.

 

ليست كل القوانين سواء. فهناك قوانين تنظم المعاملات، وأخرى تنظم المؤسسات، لكن هناك قوانين تسهم في تشكيل المجتمع نفسه، لأنها تنظم العلاقات الإنسانية الأكثر التصاقاً بحياة الناس، ويأتي قانون الأحوال الشخصية في مقدمتها.

فهو لا ينظم العلاقة بين أطراف قانونية مجردة، وإنما ينظم العلاقات داخل الأسرة، وهي المؤسسة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الإنسان، وتُغرس فيها قيم المسؤولية والاحترام والتضامن والانتماء.

ولهذا فإن النقاش حول هذا القانون لا يقتصر على مواد قانونية أو حلول إجرائية، بل يمتد إلى سؤال أوسع: أي أسرة نريد؟ وأي مجتمع نتطلع إلى بنائه؟

فكل تشريع يعكس تصورا للمجتمع، ويجسد منظومة من القيم، ويرسم حدود الحقوق والواجبات، ولذلك فإن التشريع ليس مجرد وسيلة لتنظيم الواقع، بل أداة للمساهمة في تطويره وتعزيز تماسكه.

 

كثيرا ما نتوقع من القانون أن يحل، بمفرده، مشكلات اجتماعية تراكمت عبر سنوات طويلة، بينما الحقيقة أن القانون يمثل جزءا من منظومة أوسع تضم القضاء، والسياسات العامة، والمؤسسات، والوعي المجتمعي.

ومن ثم، فإن نجاح أي تشريع لا يتوقف على جودة نصوصه وحدها، وإنما على وضوح أحكامه، وقابليته للتطبيق، وقدرته على بناء الثقة، واستجابته لاحتياجات المجتمع.

ولهذا أرى أن التشريع الرشيد يقوم على ثلاثة معايير متكاملة: أن يكون عادلا في مبادئه، قابلا للتطبيق في الواقع، وقادرا على إحداث أثر إيجابي ومستدام في حياة الناس.

 

وعندما نناقش مشروع قانون الأحوال الشخصية، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: ماذا تقول النصوص؟

بل: ماذا ستُحدث هذه النصوص في الواقع؟

هل ستعزز استقرار الأسرة؟

هل ستحد من أسباب النزاعات؟

هل ستوفر وضوحا أكبر في الحقوق والمسؤوليات؟

وهل ستعزز ثقة المواطنين في العدالة وفي المؤسسات التي تطبق القانون؟

فالتشريع الجيد لا يُقاس بعدد مواده، ولا بجمال صياغته، وإنما بقدرته على تحقيق الغاية التي وُضع من أجلها.

بل إن أفضل التشريعات ليست تلك التي تكتفي بحسم النزاعات بعد وقوعها، وإنما تلك التي تسهم في الوقاية منها، وتحد من أسبابها، وتوفر إطارا قانونيا يساعد على حماية الأسرة قبل أن تصل خلافاتها إلى ساحات القضاء.

كما أن نجاح أي قانون لا يقاس فقط بقدرته على تنظيم العلاقات في الظروف العادية، وإنما بقدرته على إدارة الاختلاف عندما تنشأ النزاعات، وتحقيق التوازن بين الحقوق، وصون الكرامة الإنسانية، والحفاظ على التماسك الاجتماعي.

ومن هنا، فإن تقييم التشريع لا ينبغي أن ينتهي عند صدوره، وإنما يبدأ بعد دخوله حيز التنفيذ، من خلال متابعة أثره، ورصد ما يكشفه التطبيق العملي من تحديات، والاستعداد لتطويره كلما دعت الحاجة. فاستدامة التشريع لا تعني الجمود، وإنما تعني قدرته على مواكبة المتغيرات مع الحفاظ على ثوابته ومقاصده.

السيدات والسادة...

إن قانون الأحوال الشخصية لا يمثل ملفا قانونيا فحسب، بل يتقاطع مع اعتبارات اجتماعية ودينية وحقوقية واقتصادية ونفسية، وهو ما يجعل تطويره مسؤولية جماعية تستفيد من مختلف الخبرات والتخصصات.

ومن هنا تأتي أهمية جلسات الاستماع التي يعقدها المجلس القومي لحقوق الإنسان.

فالمجلس لا يسعى إلى ترجيح رأي على آخر، وإنما إلى توفير مساحة مؤسسية للحوار المسؤول، انطلاقاً من قناعة بأن جودة الحوار جزء لا يتجزأ من جودة التشريع، وأن اتساع دائرة المشاركة والاستماع إلى الخبرات المختلفة يعزز قدرة القانون على تحقيق التوازن والقبول المجتمعي.

فالتشريع لا يحقق غايته بمجرد صدوره، وقوة الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين، وإنما بقدرتها على إصدار تشريعات يثق المواطنون في عدالتها، ويشعرون بأنها تستجيب لواقعهم، وتحمي كرامتهم، وتعزز استقرارهم.

فكل قانون عادل وواضح وقابل للتطبيق لا يبني الثقة في القانون فحسب، بل يعزز أيضاً الثقة في مؤسسات الدولة، ويكرس احترام سيادة القانون.

ولهذا فإننا لا نناقش اليوم مشروع قانون فحسب، بل نناقش كيف نجعل التشريع أداة لبناء الثقة، وإدارة التحولات الاجتماعية بصورة متوازنة، وتعزيز التماسك الأسري والمجتمعي.

كما نناقش، في الوقت ذاته، منهجية في التفكير التشريعي تقوم على الحوار المؤسسي، والاستفادة من الخبرات، ودراسة الأثر المتوقع للتشريعات قبل إصدارها، وتقييم نتائجها بعد تطبيقها.

وأعتقد أن ترسيخ هذه المنهجية لا يخدم مشروع قانون الأحوال الشخصية وحده، بل يمثل خطوة مهمة نحو تطوير جودة التشريع والسياسات العامة في مصر.

السيدات والسادة...

وإذا نجحنا في أن نجعل من هذه الجلسات نموذجاً لحوار مؤسسي رصين حول القضايا التشريعية الكبرى، فإننا لا نكون قد أسهمنا فقط في تطوير مشروع قانون، وإنما في ترسيخ ممارسة وطنية تعزز جودة التشريع، وتدعم الثقة في المؤسسات، وتخدم مصلحة المواطن المصري.

وأتطلع إلى أن تسهم مناقشات اليوم، بما تضمه من خبرات وتخصصات متنوعة، في الاقتراب من هذا الهدف، وصولا إلى قانون أكثر قدرة على تحقيق العدالة، وحماية الأسرة المصرية

 وتعزيز استقرارها

وشكرا لكم.